عبد الكريم الخطيب

546

التفسير القرآنى للقرآن

قوله تعالى : « وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ » وهذا الإنسان الذي خلق من ضعف ، والذي تعهدته القدرة الإلهية ، فأخرجت من هذا الضعف ، قوة وعقلا ، وبصرا ، وسمعا - هذا الإنسان قد كفر بخالقه ، وأبى أن يجعل ولاءه له وحده ، فاتخذ من دونه شركاء ، وإذا حشود كثيرة في جميع الأزمان والأمكنة ، تجتمع على الكفر باللّه ، وتعيش في هذا الضلال ، لا تعمل ليوم الجزاء والحساب ، ولا تؤمن به ، حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ، وراجعوا حسابهم مع دنياهم التي أفنوا حياتهم فيها ، وجدوا أنها لم تكن إلا لحظة عابرة ، بل لقد بلغ بهم الأمر أن أيقنوا هذا ، وتحققوا منه ، فأقسموا أنهم لم يلبثوا غير ساعة . . ولا شك أن هذا غير الواقع ، وأن الوهم هو الذي يحيّل لهم قصر الزمن الذي مضى . . فقد عاش كل منهم سنين في الدنيا ، لا ساعة ، ولا يوما ، ولا شهرا . . ولكن هكذا الدنيا ، التي اتخذها الضالون المشركون ، لهوا ولعبا ، فلم يعمروها بالتقوى والأعمال الصالحة . . ولهذا جاء قوله تعالى : « كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ » مكذّبا مقولتهم تلك ، وإنها إفك من إفكهم ، وضلال من ضلالهم ، الذي كانوا عليه في الدنيا . . ذلك أنهم وهم في الدنيا قد رأوا الحق باطلا ، والهدى ضلالا ، والخير شرّا . . ووقع في وهمهم أنهم على الحق ، وأن ما يمسكون به من ضلال هو الهدى . . وقد صحبهم هذا الإفك في حياتهم الآخرة ، فأقسموا هذا القسم الكاذب ، أنهم ما لبثوا في دنياهم غير ساعة ! وقوله تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » .